أبي منصور الماتريدي
128
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأذى ، وغذاه في ذلك الموضع بما شاء من الأغذية ، وستره عن « 1 » أبصار الناظرين ، وغيبه عن أعينهم ؛ لأنه في تلك الحال بالمحل الذي يستعاف ويستقذر منه ، ولا يمكن أن يدفع عنه المعنى الذي وقعت به الاستعافة والاستقذار بالتطهير ، وأنشأ له السمع والبصر والفؤاد ؛ ليصل بها إلى أنواع العلوم والمصالح ؛ فلزمهم أن يقوموا بشكر ذلك . وفيما ذكرنا نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى لو خلقهم « 2 » على غير الوجه الذي ظهر ، لكان جائرا ؛ لأن من مذهبهم : أنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم ، وإذا كان خلقهم هو الأصلح ، ومن شرطه فعل الأصلح ، فإذن هو صار قاضي حق ، وليس لقاضي الحق على المقضي موضع منة ، ولا منه بمكانة ولا نعمة يلزمه شكرها له . ثم قوله عزّ وجل : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ : أي : جعل لكم السمع ؛ لتسمعوا ما غاب عنكم ونأى ، فتعرفوه بالسمع ، وأنشأ لكم الأبصار ؛ لتبصروا بها ما حضر من الأشياء ، وتعرفوا بها ما ينفعكم وما يضركم ، وما خبث منها وما طاب ، وأنشأ لكم أفئدة تدركون بها حقائق الأشياء ، ومبادى الأمور ومآلها ، وما حل منها وما حرم . ثم خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر ؛ لما بها يتوصل إلى العلوم ومعرفة الأشياء ؛ قال الله - تعالى - : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] ، ومعناه : أنه أنشأ لكم هذه الأشياء ؛ لتهتدوا بها ، وتصلوا بها إلى أنواع العلوم ؛ فثبت أن هذه الأشياء هي التي يتوصل بها إلى العلم والحكمة ، وإلى ما به المصلحة والمنفعة ؛ ولذلك قال : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] ، فلو لم يقع بها الوصول إلى علم الأشياء ، لكان لا يخص بالسؤال عنها . وقوله - عزّ وجل - هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جمع في هذه الآية بين خبرين : أحدهما : مما قد نوزع فيه ، وهو قوله : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فإن بعض الكفرة ينكرون الحشر والبعث . والثاني : مما لم يقع فيه التنازع ، وهو قوله : هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ . ثم إن الله - تعالى - جعل ابتداء الخلق دلالة القدرة على الإعادة بقوله : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 78 ، 79 ] ، وقال : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] .
--> ( 1 ) في أ ، ب : على . ( 2 ) في أ : جعلهم .